» تدعوكم خيرية القطيف للترشح لعضوية مجلس الإدارة في دورتها الثامنة عشر   » `مليون   » مشروع قربى   » استمارة كفالة يتيم بخيرية القطيف   » المعرض التسويقي الخامس للأسر المنتجه والتاجرات   » أرقام حسابات لجنة كافل اليتيم بخيرية القطيف   » الهاتف الاستشاري   » يوم الطفل الخليجي   » يوم ال   » خيرية القطيف: بادرة إستباقية لاستقبال فصل الشتاء   » أمسية فن إدارة الضغوط   » هدايا عينية ونقدية لعمال النظافة من أطفال رياض القطيف الرائدة   » مشروع كفالة يتيم   » رحلة تعليمية إلى بريطانيا لأحد المتميزين من أبناء كافل اليتيم   » مستفيدات كافل اليتيم في مهرجان الأيام برعاية الرواد الثقافي  
206414
رحلة في الذاكرة

سيارة خشابي القطيف

ما أنْ تطأ قدماك عتبات سكة الحرية بالقطيف الممتدة بين شارع جعفر الخطي و شارع الملك عبد العزيز حالياً، تتفاجأ بدهشة مما ترى وتسمع، ترى رجالاً شرقيين "قطيفيين" وكأنهم يؤدون رقصة غربية على أنغام افريقية، فتدرك – منطقياً – أنك ترى طلسماً يحتاج الى تحليل، تلك الأنغام الصاخبة ما هي إلا أصوات تداخلت في بعضها البعض أطلقتها مطارق تدق على سطوح مختلفة، فمطرقة تدق على الخشب وأخرى تسوي صفائح النحاس وتلك تداعب سندان الحداد، وأما الرقص فما هو إلا عملية تبييض وتصفير القدور بالأقدام.

في سكة الحرية كانت تصنع أغلب أداواتنا من الإبرة الكبيرة "المسلة" أو "الدفرة" إلى الأبواب الخشبية المنقوشة ومروراً بالمناجل ومحقاين "القاز" (الكيروسين) وحتى السيارات! عفواً أعني "جسم" السيارات، فسيارة "الخشابي" القطيفية أو الباص الخشابي كان يجوب أنحاء المملكة وقد عرفه الجميع بطابعه الخاص لهذه المنطقة.

وإمتدت شهرتها حتى الكويت والعراق، إذ كان يصنع من الخشب و "الشينكو" (صفائح معدنية) والأسياخ الحديدية، لقد صممت هذه الحافلة لتكون متعددة الاستعمالات، فهي حافلة بها مقاعد لنقل الركاب وشاحنة لحمل الأمتعة والبضائع للسفر فيها، بل ولنقل الدواب أحياناً، لقد كانت القطيف زاخرة بتصاميم هذا النوع من السيارات حتى نهاية الستينات من القرن الماضي ولا تزال آثارها بين أيدينا حتى اليوم.

قبل خمسة عشر عاماً تقريباً وبينما كنت أتجول في مدينة صفوى فوجئت برؤية حافلة خشبية في إحدى الأحياء، فقدرت موديل الحافلة أنها من الخمسينات الميلادية فذهلت لوجودها ورجعت بي الذاكرة لأيام الطفولة المبكرة، حيث كنا نركب في تلك الحافلات أيام احتفالات ومراسيم "غسالة المعاريس" ورحلاتنا إلى الظهران أو الملاعب حيث فريقي "التآلف" و"الجزائر"، رجعت في اليوم التالي وأنا أحمل "كامرتي" لأوسعها "لقطات" وإذ المفاجئة تداهمني حيث لم أجد الحافلة مكانها، فأدركت عندها أنها بكامل قواها "الميكانيكية"، وأنها لا تزال تستخدم.

مضى الوقت دون تحقيق رغبتي في تصويرها حتى كدت أنساها لولا أنه وبمحض الصدفة أخبرني أحد الأصدقاء بأن تلك الحافلة لا تزال تعمل أي أنها "على قيد الحياة"، وأكد لي بأن صاحبها يدعى "علي أكبر"، حيث التقيت بأصحابها في إحدى المناسبات فطلبت منهم تصويرها فلم يترددوا في الاستجابة -وبكل سرور- وسمحوا بتصويرها، كما أنهم لم يبخلوا عليَّ بما لديهم من سرتها الأولى، وبينوا لي بأن تلك الحافلة لم تعد في أيدي ملاكها الأوائل، بل انتقلت ملكيتها للجيل الثاني وبرفقتهم الجيل الثالث من الأحفاد لايملون من اللعب حولها.

كان في صدارة المُلاك الأستاذ أيمن آل إبراهيم (أبو نادر) الذي صنع منها سيارة جديدة لشدة حرصه بالتمسك بها والحفاظ عليها، يقول أبو نادر: إن موديلها الحقيقي هو 1952 ميلادي ولكن في الاستمارة هو 1956 ميلادي وهو السبب الذي جعلها تحتل المركز الثاني بدلا من الأول في مهرجان لمسابقة أقدم سيارة في الشرقية عام 1406 هـ، يقول عبد الله آل إبراهيم (وهو احد أفراد الأسرة):- ان من صنع صندوقها هو السيد باقر السادة و أخوه علوي الذي سبق وأن أجرت قطاف الخير لقاءاً خاصاً معه بعنوان "آخر القلافين" (في قطاف 15)، ويضيف ابو نادر قائلا لقد تم شرائها من الإحساء بمبلغ وقدره أربعة ألاف ريال أو تزيد قليلاً وكانت عبارة عن جسر "شاسية" وكفرات، ويذكر بان مالكها الأول لما علم بوجودها (وهو صاحب معرض سيارات) عرض علينا مبلغاً خيالياً بالإضافة لسيارة نختارها، وأما الاستمارة فكانت باسم (الملاك): علي اكبر و سعيد أبناء عبد الكريم آل إبراهيم، و يستطرد الأستاذ أيمن قائلاً: كانت الحافلة تقوم برحلات عديدة داخل و خارج منطقتنا، تارةً تحمل الفلاحين والركاب وتارة أخرى تأخذ البحارة بأدواتهم إلى شاطئ البحر.

ولحسن الحظ فقد رأيت عنده صورة قديمة للحافلة وهي تنقل البحارة وقد إنغرزت إطاراتها في الطين، و يضيف أنها تعرضت للسقوط في مصارف مياه النخيل "السد" عدة مرات، وكانوا ينادون الناس في "الديرة" بالميكرفون لنجدة الحافلة وإخراجها.
ويصر الأستاذ أيمن آل إبراهيم على المواصلة في الحفاظ على حافلتهم التراثية مهما كلف الأمر، فقد جلب لها من الكويت مكينة جديدة وقام "بسمكرتها" باللون الأزرق الفاتح حتى بدت وكأنها سيارة جديدة، وبنى لها كراج مغلق في مزرعتهم للحفاظ عليها.
تحية وإحتراماً لأمثال هؤلاء الرجال اللذين يكنون الإجلال لوطنهم بالحفاظ على تراثه العزيز.

إعداد و تصوير الأستاذ/ عبدالرسول الغريافي